مصطفى صادق الرافعي
63
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
تحفظ على أهلها تلك الصفات العربية ؛ من الأنفة والعزة والصوت « 1 » والغلب : وما يكون من هذا الباب الاجتماعي الذي لا يزال يفتح للشعوب عن مقاصير الأرض « 2 » . كما أنها تستبقي طاعة المغلوبين الذين أعطوا للفاتحين عن أيديهم ، وانطرحوا في غمرهم ، وكانوا أهل ذمتهم : لانتحالهم العربية طوعا أو كرها ، ثم بقائها في ألسنتهم على نسبة بينة من الفصيح مهما ركت ومهما رذلت ؛ ولولا القرآن وأنه على وجه واحد وهيئة ثابتة ، ما بقيت العربية ولا تبينت النسبة بين فروعها العامية ، بل لذهب كل فرع بما أحدث من الألفاظ ، وما استجد من ضروب العبارة وأساليبها ، حتى يتسلل كل قوم من هذه الجنسية إن كانوا من أهلها أو من أهل ذمتها ، ثم لا تستحكم لهم بعد ذلك ناحية من الائتلاف ولا يستمر لهم سبب من الارتباط ، ويوشك أن لا يستقبلوا بعد من قادة الأمم وحيتان الأرض إلا من يستدبرهم راعيا أو ملتهما . ثم لا يمكّن لهم من دينهم ، ثم لا يثبتون عليه إلا ريثما يتحولون في استحقاقهم بالأمة التي وثبت بهم وإن مضوا في ذلك على العزيمة والتشدّد ، فإنه لا عزيمة لقلب خذله اللسان ، ولا تشدّد للسان خذله القلب ، ولا استقلال لشعب تخاذلت ألسنتهم وقلوبهم ، وتلك سنة من السنن لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ومن للأمم بمثل هذا الاستعمار اللغوي الذي لم يتهيأ إلا للقرآن ، وهو بعد زمام السياسة مهما جمحت في الأرض . ولقد ترى اليوم هذه التوراة وهذه الأناجيل وما يقرؤها بلغتها الأصلية إلا شرذمة قليلة من اليهود وغير اليهود الذين يعيشون على أحلام الذاكرة . ولا نرينّ أن ذلك استبقاء فلولا أن الشذوذ لا يتخلف كأنه قاعدة مطّردة ما قرأها منهم أحد ، ثم استبدلت الألسنة واللغات بهذه الكتب ، فهي شريعة ولا هي جنسية جامعة ، وإنما نراها في كل أمة من الأمة نفسها ، ولذا سهل على كثير منهم أن ينبذوها ، وصار أكثرهم لا يتدارسونها ولا يقرءون فيها إلا إذا أرادوا الاستغراق في رؤيا تاريخية ، والعارف عارف من يثبت فصولها ومعانيها ، أو يعرف ذلك فضل معرفة . وانظر كم ترى بين صنيع القبائل الجرمانية ( الغوط ) وبين صنيع العرب ، فإن أولئك أغاروا على إيطاليا في القرن الخامس للميلاد وانتقصوها من أطرافها ولم يكن إلا أن ملكوها حتى ملكتهم ، إذ تركوا أهلها وعادتهم من اللغة - وغير اللغة - ثم أخذوا يتحضرون من بداوة ويستأنسون إلى الحضارة الرومانية ، حتى رغبوا في العلم ،
--> ( 1 ) يراد بلفظ الصوت : الأمر والنهي على المجاز ، لأن ذلك لا يكون إلا به . ( 2 ) كناية عن الممالك كأنها حجرات في القصر الأرضي .